|
أضواء على تيارات المعارضة في إسرائيل الحلقة(1)
* هل للمعارضة الإسرائيلية قيمة ؟ وكيف يجب قياسها ؟
* أربعة تيارات للمعارضة تتوزع اليمين والوسط واليسار.
* أدت حرب حزيران إلى سلسلة من الانفصام والاندماج في الأحزاب الإسرائيلية.
* "حركة اسرائيل الكبرى" نشأتها وفكرها ومستقبلها .
تحفظات:
أية دراسة لتيارات المعارضة الإسرائيلية،لا تنطلق من نقطة تحليل واضحة تشكل قاعدة البحث وقاعدة التقييم ستؤدي إلى سلسلة من التناقضات تجعل مثل تلك الدراسة معرضة للسقوط في عشرات الأفخاخ المنصوبة أمامها . وإذا كان صحيحاً أن الحاجة الأولى الآن هي حاجة تقتصر على "عرض صورة" موضوعية لواقع تلك التيارات المعارضة داخل إسرائيل،فإن مثل تلك العرض يفقد قيمته أن هو لم يحدث من خلال موقف فكري،وبواسطة أدوات تحليل موضوعية وملتزمة. ولذلك فإن الحديث عن القوى السياسية المعارضة في إسرائيل حديث يجب أن يحاط بسلسلة من التحفظات،وأيضاً بالتشديد على سلسلة من المبادئ والقواعد المركزية التي يجب أن تظل أساساً تجري وفقه عملية تقييم تلك القوى المعارضة.
* أولى هذه القواعد أن الموقف العربي من المسألة الإسرائيلية برمتها بات مرتبطاً بصورة يستحيل فصمها بمبدأ الكفاح الثوري المسلح طريقاً وحيداً لتقويض البنيان الامبريالي والعنصري و الاغتصابي لإسرائيل ولذلك فإن أي قياس عربي للجدوى التاريخية لأية قوة إسرائيلية معارضة سيكون ملزماً دائماً بمدى اقتراب أو ابتعاد تلك القوة عن خدمة تلك المبدأ الجوهري .
* وثاني هذه القواعد أن القوى السياسية المعارضة في إسرائيل ليست،ولن يكون بوسعها،أن تحسم مسألة الصراع العربي الإسرائيلي سواء من جهة اليسار أم من جهة اليمين،ولكن ذلك لا يفقدها قيمتها كحقائق راهنة تمثل قوى لها تأثيرها،على المدى المباشر أو على المدى البعيد،ولذلك فإن عملية إسقاطها من الحساب،أو وضعها في قدر واحد مع بعضهما ومع السلطة الحاكمة،هو عمل ليس من الحكمة في شيء،ولا يخدم بأي شكل مستقبل النزال المصيري القائم على التخطيط وحسن التصويب.
* وثالث هذه الحقائق أنه،في الوقت الراهن وإلى مدى لا يمكن رؤية طبيعة امتداده،لا مكان بالنسبة للعرب لفتح حوار مع هذه المعارضة الإسرائيلية،والشكل الوحيد المقبول الآن- بالنسبة للعرب - للمعارضة الإسرائيلية هو ذلك الشكل الذي يتجاوز رفض الصهيونية إيديولوجياً إلى رفضها جغرافياً أيضاً، فالتناقض الكامن بين رفض إسرائيل إيديولوجياً والتمسك بها جغرافياً،يطرح على الفور تناقضاً أساسياً مع حركة التحرير الفلسطينية .
* ورابع هذه الحقائق أن " كمية المناورة " التي تعطي المعارضة الإسرائيلية لنفسها حق ممارستها،تبلغ من الاتساع حداً يستلزم من العرب التسلح بكمية مضاعفة من الحذر والتحفظ،والاهتمام بصورة أكثر مدى التزام تلك المعارضة بمواقفها النظرية على صعيد الممارسة . ولكن هذه الحقائق مجتمعة يجب أن تساعد على رسم صورة موضوعية لما يمكن لهذه المعارضة أن تلعبه داخل إسرائيل،على هامش المعركة التي تخوضها الجماهير العربية تحت إعلام الكفاح المسلح وشعارات التحرير الحقيقي والكامل .
الوضع الحزبي في إسرائيل
لقد كانت الحدود الحاسمة بين معظم الأحزاب المعروفة في إسرائيل،وخصوصاً تلك التي تدين بالصهيونية أساساً،حدوداً غير واضحة أبداً،وهذا هو التفسير الأول لعمليات الاندماج والانشقاق والتحالفات المستمرة التي كانت تنشط قبل وأثناء المعارك الانتخابية. ففي كنيست 1949 و1951 دخل" الماباي" مع" أحدت هاعافودا" الانتخابات في قائمة واحدة . وفي كنيست 1961 اندمج"الصهيونيون العموميون"،"بالتقدميين"و" وشكلوا قائمة "الليبراليين" التي صارت حزباً فيما بعد،ما لبث أن تحالف مع "حيروت" ليشكلا كتلة"غاحال". وفي كنيست 1949 دخلت الأحزاب الدينية الثلاثة في حلف موحد تحت اسم"الجبهة الدينية المتحدة". وفي كنيست 1951 و955و95 انشق اثنان من هذه الأحزاب الدينية الثلاثة عن الجبهة الدينية المتحدة ،وشكلا "جبهة التوراة الدينية " . وفي كنيست 965 دخل حزب " رافي" الانتخابات،بعد انشقاقه عن "الماباي" في قائمة مستقلة،وعاد في 1968 واندمج "بالماباي" . وفي 1967 انشق ثلاثة نواب وصلوا إلى كنيست 1965 على قائمة "حيروت"،وشكلوا "حركة المركز الحر". وهذه النماذج على حركة المد والجزر،والاندماج والانفصام،بين هذه الأحزاب،هي دليل واحد فقط على غياب الحدود الحاسمة بين مواقف هذا القطاع من التشكيلات السياسية في إسرائيل،ولكن لعل أبرز أمثلة هذا الغياب ،هو موقف "المابام"،الذي بنى موقفه على معارضة ايديولوجية نظرية للحزب الحاكم،ولكنه لم يتردد في قبول الدخول إلى الوزارة التاريخية الحاسمة،ليشارك في صياغة انعطاف جذري في حياة إسرائيل نحو المزيد من العدوانية والتوسع،وليبارك الموقف الراهن لحزب الماباي،ويعلن تصريحات موازية في الفاشية والعدوانية .
4 تيارات أساسية بالمعارضة
هذه الحقيقة تقربنا أكثر نحو الدخول إلى صلب التيارات المعارضة،ويمكننا بعد استثناء الأحزاب التقليدية التي اشتركت علاني في اللعبة الإسرائيلية بشكل أو بآخر حصر هذه التيارات بأربعة تيارات :
* أولاً: التيارات المعارضة التي مضت إلى أقصى اليمين،والتي تعبر عنها ، مهما اختلفت التسميات،الحركة التي أطلقت على نفسها اسم:"حركة أرض إسرائيل".
* ثانياً: الحزب الشيوعي،أو بكلمة أدق:الحزبان الشيوعيان،اللذان جاءا نتيجة انشطار بين جماعة غالبيتها من الإسرائيليين،يتزعمهم سينينه، وميكنس،وبين جماعة غالبيتها من العرب يتزعمها أميل توما،وماير فلنر.
* ثالثاً : التيارات اليسارية،التي هي أقرب إلى التجمعات الصغيرة منها على الأحزاب،والتي هي بشكل ما انعكاس لتيارات اليسار الجديد،في أوروبا، وتمثلها مجموعة "ماتس بن" (البوصلة)، ومنها"الهيئة المناهضة للضم"، ومجموعات صغيرة أخرى.
* رابعاً : ما يمكن تسميته بالموقف الحزبي،أو التنظيمي،لعرب الأرض المحتلة،وهو يستحق بنداً خاصاً من البحث بالرغم من أنه يعبر عن نفسه تارة بالالتحاق بالحزب الشيوعي،وتارة أخرى بمحاولات محدودة،وجزئية،لتشكيل حركة ذات إطار قومي عربي مستقل عن كل ما هو إسرائيلي،مثل حركة الأرض،أو الجبهة الشعبية.
الوضع الحزبي بعد 5 حزيران
لقد أتت حرب حزيران،في الجهة الإسرائيلية،إلى هزة يمكن تصنيفها تحت البند الذي يمكن أن نصنف تحته،في الجهة العربية،الهزة المماثلة،والتي ألقت أضواء ،وأحدثت اكتشافات ،كانت على حد بعيد اكتشافات مفاجئة. فقد جعل الانتصار الإسرائيلي كثيراً من التيارات الإسرائيلية المترددة،تختار اتجاهها النهائي،أو على الأقل الأكثر وضوحاً،فالخامس من حزيران لم يؤد فقد إلى خلق جو من النشوة في إسرائيل،ولكنه أيضاً دفع مراكز القوة السياسية،التي متعت نفسها بحق المناورة طيلة السنوات الماضية،لأن تكشف عن نفسها،وتعلن انتساباتها الحقيقية. فالخامس من حزيران هدم كثيراً من الأسوار التي كانت تفصل بين الأحزاب الإسرائيلية،وبعد العدوان بسبعة شهور فقط لم يجد الماباي مبرراً ليظل على خلاف مع رافي ،فعادا للاتحاد في 21 كانون الثاني 1968، وشكلا مع أحدوت هاعافودا حزباً واحداً،وعشية العدوان لم يجد المابام أي مبرر لخلافه التقليدي مع الماباي،فقبل بالمشاركة بالحكم،ومضى في هذا شوطاً أبعد فتخلى عن حساسيته التي التزم بها بهدف كسب الأصوات العربية،ومضى يجهر بمطامعه التوسعية ومواقفه المناهضة لعرب الأراضي المحتلة والدول العربية على السواء،وفيما بعد،لم يتردد يوسف سابير،وزير الدولة الإسرائيلي عن حزب الأحرار،من أن يقول في مؤتمر صحفي عقده في أوساط كانون الأول 968،من أنه لا يجد،بعد حرب حزيران،أي سبب لاستمرار الخلاف الذي نشب عام 1965 مع حزب حيروت بسبب حدود دولة إسرائيل،وكذلك لم يجد أشكول مبرراً لعدم تعاون الماباي مع حزب حيروت اليميني التوسعي والمتطرف فأشرك مناحيم بيغن بالمؤازرة،بل أن يبغال آلون،لم يجد ما يمنعه كعنصر رئيسي في حزب الماباي ونائب رئيس الوزراء من أن يستقبل وفداً عن " حركة إسرائيل الكبرى"،الأكثر تطرفاً من الجميع،ويعرب لها في ذلك اللقاء الذي تكرر أكثر من مرة،عن وده وتفهمه لمراميها. وفي الوقت الذي أدت هزة الانتصار الإسرائيلي على تهديم تلك الحواجز بين الأحزاب،وأوجدت الفرصة للكشف عن حقيقة الأرض المشتركة فيما بينها والتي كانت تختفي تحت ركام المناورات الانتخابية والإعلامية،حدثت أمور أخرى لا تقل أهمية .
* فمن جهة أولى رأت تيارات كامنة في الانتصار الإسرائيلي في الخامس من حزيران فرصة ذهبية لتبني حقيقة النوايا التوسعية الإسرائيلية التي كان الصهاينة يحرصون دائماً على تغليفها بشيء من التضليل،وهكذا انطلقوا يبشرون بها علناً كشعار لحركة أسموها "إسرائيل الكبرى"،لا تتردد في المجاهرة بأن الحدود التي وصل إليها الغزو الإسرائيلي في حزيران 1967 هي حلقة واحدة في خطة تعتمد بالتخطيط إلى توسع إضافي بالمستقبل.
* ومن جهة أخرى رأت تيارات إسرائيلية معاكسة،إن حرب حزيران والانتصار الإسرائيلي الذي حملته،لم يضع حداً للمشكلة ،ولم يضمن شيئاً لأمن إسرائيل،وأن الحلقة المفرغة التي دخلها العنف الإسرائيلي لا مخرج منها إلا بوقفة تنظر إلى الأمر بمجمله نظرة جديدة،وتقدم تحليلاً عصرياً يمكن أن يكسر هذه الحلقة المفرغة. وبالطبع فقد قاد اليسار هذه التيارات،وانبثقت عنها تجمعات صغيرة مختلفة ومتداخلة ومتعاونة في قليل أو كثير مع الحزب الشيوعي في إسرائيل،ويحاول الاتصال دائماً بعرب إسرائيل،على أساس أنهم الجهة المعنية أكثر ببرامجها. وهذا كله يوصل إلى حقيقة هامة ،وهي أن التيارات المعارضة في إسرائيل،سواء تلك التي مضت إلى أقصى اليمين أو تلك التي اختارت اليسار،فقد سجلت بياناً مختلفاً لصورة المعارضة داخل إسرائيل عن ذلك البيان الذي كان لصورتها قبل الخامس من حزيران. إن الملاحظة الثانية في هذا النطاق يمكن تلخيصها بمايلي:ليست المعارضة اليمينية في إسرائيل،في الحقيقة،إلا الخطوة الثانية للحكومة الإسرائيلية،ومن هذه الناحية فإن تسميتها بالمعارضة بالنسبة للحكومة الإسرائيلية تسمية محاطة بالتحفظات . وكذلك فإن المعارضة اليسارية في إسرائيل،بالنسبة للعرب في فلسطين المحتلة،تشكل بدورها الخطوة قبل التالية نحو حقيقة مطالبهم،هذه المطالب التي لا يتاح لهم حتى الآن فرصة التعبير عنها بالصورة التي يتوقون لها . ومن هذه الناحية فإن تسمية هذه المعارضة باليسارية ،بالنسبة لعرب فلسطين المحتلة،تسمية محاطة بهذا التحفظ أيضاً . بكلمات أخرى :إن اليمين الإسرائيلي المعارض هو احتياطي السلطة،بينما اليسار اليهودي المعارض هو احتياطي عرب فلسطين المحتلة، في نطاق النشاط السيا
|